مقالات - دلالات وعبر ودروس - في المحيط السياسي لسقوط صدام - تيسير نظمي
مقالات - دلالات وعبر ودروس - في المحيط السياسي لسقوط صدام - تيسير نظمي بعيدا عن القصف الإعلامي والقصف الصاروخي والعنقودي وربما الكيمياوي والبيولوجي وكل أدوات تدمير المستقبل بوجود النظام العراقي الحالي أو بعدم وجوده أو ببقائه بعد إجراء متغيرات ذات شأن فيه لتحقيق انتصار العولمة وإدخال العراق في منظومة التبعية التامة المطلقة، بعيدا عن كل ذلك أي بعيدا عن التقديرات والاحتمالات ذات البعد الإقليمي القطري سواء في العراق أو فلسطين. دعونا نضع تصورا لمستقبل المنطقة والعراق من شماله حتي جنوبه الذي يشكل حجر أساس متين للمنطقة باحتياطه النفطي الكبير الذي وقع أسير التفرد الامريكي ومن ثم إن لم يكن من الآن يجري التفاوض حول ما يسمي إعادة إعماره، فقد وضع النظام العراقي نفسه علي مفترق طرق منذ عام 1979 علي أقل تقدير وقاده هذا كنظام وكبلد إلي ما هو واقع الآن، فقد تفرد هو الآخر بما كان يعرف بالجبهة الوطنية عندما طارد الشيوعيين العراقيين وحلفاء الأمس وبوضع الحلول التي أرادها لمستقبل/وما انتهي إليه الوضع في شماله. آنذاك كان ثمة الاتحاد السوفييتي وانتصار الثورة الإيرانية واندحار الامريكان من أعتي قلعة لهم علي حدود الاتحاد السوفييتي الجنوبية وبحر قزوين، وفي حدود بصيرتي كان الخلاف حقا علي الحقيقة، حيث كان يري الشيوعيون العراقيون بوجه عام أن العداء اللفظي لامريكا وللغرب (لا فرق ضمن حلف الناتو) لا يمكن أن يخفي حقائق النظام والاقتصاد علي الأرض و إلي أين يذهب التبادل الاقتصادي بنسبة 83% منه؟ وما أن جاهر الشيوعيون العراقيون بالحقيقة حتي طوردوا وشردوا وما هي إلا شهور حتي دخل العراق والنظام الحالي تحديدا في حرب مولتها الدول الخليجية من دون استثناء خشية امتداد تأثيرات الثورة الإيرانية ونموذجها لشعوب المنطقة والخليجية النفطية منها علي وجه التحديد، وعلي مدار ثماني سنوات من الحرب ظلت الحقيقة الناصعة اقتصاديا والضبابية الغائمة فكريا وسياسيا وتاريخيا جلية وملخصها أن جميع الأنظمة العربية تخشي شعوبها وليس لديها أية برامج واضحة المعالم وطويلة الأجل للاستقلال الاقتصادي الناجع عن الغرب الرأسمالي والانفتاح الاقتصادي علي منتجات الغرب الامريكي أو الأوروبي الغربي سواء السلعية منها أو العسكرية التي تذكرنا بشراء طائرات الأواكس التي لم تحم المفاعل النووي العراقي الذي راح غدرا وهباء منثورا حتي بعلم الفرنسيين أنفسهم عندما حاولت إسرائيل منع تصديره لبغداد وهو ما يزال في موانئها، آنذاك كان التعاطف الجماهيري العربي علي اختلاف طوائفه مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليس سوي من قبيل رؤية نظام الشاه النموذج للشرطي الامريكي في المنطقة يتهاوي وليس مهما آنذاك من يكون البديل، لم يكن مهما أيضا لعموم الجماهير المتعاطفة مع النظام الجديد في إيران مصير حزب تودة (الحزب الشيوعي الإيراني) ولا الرؤية المبكرة لثورة مصدق في الخمسينيات الاقتصادية والأيديولوجية لمستقبل النفط الإيراني ولا حتي مهما المصير الذي انتهي إليه رجل دين ومفكر إسلامي مثل آية الله طالقاني، ويذكر للكويت آنذاك قبولها إيواء بعض العراقيين الفارين من العراق من حزب الدعوة أو من الشيوعيين سواء استقر بهم الحال فيها أم انتهوا إلي الدول الأوروبية الغربية منها أو الشرقية التي كانت لا تزال ضمن حلف وارسو. آنذاك كان واضحا لكل ذي رؤية وبصيرة أن النظام في العراق يسير في الاتجاهات المرغوبة لمصالح المجمع الصناعي الحربي الامريكي الذين تشكل الحروب والنزاعات الإقليمية والحدودية وسوء السياسة الخارجية الامريكية عمودهم الفقري وأبراجهم الحقيقية وليس مجرد برجين أو ثلاثة ممتدة بشكل صاروخ في السماء وإنما مصلحتهم وعمودهم الفقري الحقيقي وأبراجهم الحقيقي ممتدة علي الأرض بشكل أفقي يجعل العالم قرية صغيرة بأيديهم تكنولوجيا ومن ثم اقتصاديا بغض النظر عن الحروب وخاصة الحرب الدائرة رحاها الآن علي العراق، وآنذاك لم يكن مهما أن تدين الولايات المتحدة ممارسات النظام في حلبجة واستخدام صدام حسين لأسلحة كيماوية ضد العراقيين في الشمال، فلماذا فقد النظام في ما بعد حسن السيرة والسلوك من العم سام ولم يجر الخلاص منه آنذاك أسئلة لا تحتاج للإجابة سياسية لكنها تحتاج حقا لأجوبة اقتصادية ناجعة.
خطر التأقلم الاقتصادي من دون تبعية مباشرة قبل سنوات التقيت أحد أمناء الأحزاب الأردنية الذين يدعون بحرارة وصدق لفك الحصار عن العراق، وربما بجهل اقتصادي سياسي كذلك الذي يمتاز به المغرقون في قوميتهم والذين ارتدوا أكثر من مرة تارة عن قوميتهم باتجاه الماركسية وأخري عن ماركسيتهم باتجاه تحالفات مع قوي دينية وقومية ويسارية قلت له إن ثمة إيجابيات لحصار العراق بدلا من تدميره والاستيلاء علي مستقبله، وأن هذه الإيجابيات تتمثل برغم قساوتها بأن الإنسان العراقي بدأ يتأقلم مع طبيعة بلاده الصحراوية منها والزراعية والرعوية دون الحاجة للنفط وعائداته ومن ناحية أخري فإن ثروات المستقبل باقية في أرض العراق فعلام العجلة، وقد نشأ جيل في العراق يجيد ويبتكر أساليب البقاء والصمود علي أرضه برغم كل مساوئ وسلبيات الحصار، لهذا الحزب أو ذاك الذين تعودوا علي الدعم والإسناد المباشر من النظام تاريخيا وبخاصة قبل الغزو العراقي لآبار النفط في الكويت، فهذا هو بيت القصيد الآن والمحور المهم الذي نحتاج لصد الهجمات الإعلامية والفكرية عنه، لقد حققت كثير من الأقطار العربية استقلالها الشكلي والسياسي إلي حد ما عن الاستعمار ولكن ندر أن فكرت في استقلالها الاقتصادي من دون تبعية مطلقة أو تبعيات نسبية، والمثال الحي الذي عاشه الفلسطينيون ماضيا وحاضرا وحتي اقتلاع عشرات الآلاف من أشجارهم خاصة شجرة الزيتون لدليل ناصع علي ما تذهب إليه. فالامريكيون لا يركز إعلامهم علي أزماتهم والإعلام العربي بعامة خير خادم متطوع لإنكار هذه الحقائق وعدم نشرها عن هذه الأزمات وكيفية تصديرها علي شكل طائرات أباتشي وصواريخ وقنابل عنقودية وربما نووية لاختبار هذه الأزمات والتخلص منها أحيانا في مكب الأسلحة الذي يسمي الشرق الأوسط لدرجة انه إذا طلبت منهم بعض الدول غير النفطية مساعدات يقدمون لها صفقات أسلحة. والامريكيون كما الإسرائيليون حاليا والأوربيون في حاجة لفرص عمل بالشروط التي يريدونها وسوف تكون ضمن تصورهم وسيكون العراق أولا مجالا مفتوحا لفرص العمل هذه علي شكل شركات أميركية وبريطانية وفرنسية وهولندية وحدث ولا حرج لإرغام الشعب العراقي علي الدخول قسرا في العولمة وإلغاء الهويات القومية والعرقية والطائفية أمام جبروتها لتصبح المنافسات جارية علي قدم وساق ليس بين القوي السياسية و الأحزاب والتيارات في التعددية المدعاة بل بين شركات الاتصال الخلوي والإذاعي والتلفزيوني ضمن تبعية اقتصادية تقطع الاتصال بعادات واقتصاديات وطبيعة العراق نفسها بحيث يجري الاستغناء عن وسائل التبريد المحلية الصنع ليصار لاستيراد أجهزة التكييف والسيارات ومنتجات مايكروسوفت ومستلزمات العولمة للأجيال القادمة من الشركات الامريكية و الأوروبية بما فيها تمر العراق ونخيل ه. فالحصار الاقتصادي الذي أصاب الشعب العراقي تحديدا حتي لا أقول أصاب النظام أصاب الاقتصاد الأمريكي أيضا وحرم الامريكان أن تكون العراق سوقا لهم ولمنتجاتهم وبضاعتهم وبضاعة غيرهم من الحلفاء والأصدقاء الغربيين، والمعركة ببعدها العسكري سوف تنتهي بغض النظر من النتائج والاحتمالات والسيناريوهات والمفاجآت مهما طالت، لكن معركة المستقبل غير المحصورة بالشعب العراقي.
AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1475--- Date 10/4/2003
جريدة (الزمان) --- العدد 1475 --- التاريخ 2003 - 4 - 10